أحمد بن علي الطبرسي
17
الاحتجاج
فليكن ذلك سرا لا يسمعه أحد علانية . ثم رجع إلى بيته فبعث إليه بمائة ألف درهم ، ونادى منادي معاوية أن قد برئت الذمة ممن يروي حديثا من مناقب علي وفضل أهل بيته ، وكان أشد الناس بلية أهل الكوفة ، لكثرة من بها من الشيعة ، فاستعمل زياد ابن أبيه وضم إليه العراقين : الكوفة والبصرة ، فجعل يتتبع الشيعة وهو بهم عارف ، يقتلهم تحت كل حجر ومدر وأخافهم ، وقطع الأيدي والأرجل ، وصلبهم في جذوع النخل ، وسمل أعينهم ، وطردهم وشردهم ، حتى نفوا عن العراق فلم يبق بها أحد معروف مشهور ، فهم بين مقتول أو مصلوب ، أو محبوس ، أو طريد ، أو شريد . وكتب معاوية إلى جميع عماله في جميع الأمصار : أن لا تجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة ، وانظروا قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه ومحبي أهل بيته وأهل ولايته ، والذين يروون فضله ومناقبه فأدنوا مجالسهم ، وقربوهم ، وأكرموهم ، واكتبوا بمن يروي من مناقبه واسم أبيه وقبيلته ، ففعلوا ، حتى كثرت الرواية في عثمان ، وافتعلوها لما كان يبعث إليهم من الصلات والخلع والقطايع ، من العرب والموالي ، وكثر ذلك في كل مصر ، وتنافسوا في الأموال والدنيا ، فليس أحد يجئ من مصر من الأمصار فيروي في عثمان منقبة أو فضيلة إلا كتب اسمه ، وأجيز ، فلبثوا بذلك ما شاء الله . ثم كتب إلى عماله : إن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر ، فادعوا الناس إلى الرواية في معاوية وفضله وسوابقه ، فإن ذلك أحب إلينا ، وأقر لأعيننا ، وأدحض لحجة أهل هذا البيت ، وأشد عليهم ، فقرأ كل أمير وقاض كتابه على الناس ، فأخذ الرواة في فضائل معاوية على المنبر في كل كورة وكل مسجد زورا ، وألقوا ذلك إلى معلمي الكتاتيب فعلموا ذلك صبيانهم ، كما يعلمونهم القرآن ، حتى علموه بناتهم ونساؤهم وحشمهم ، فلبثوا بذلك ما شاء الله . وكتب زياد بن أبيه إليه في حق الحضرميين : أنهم على دين علي ، وعلى رأيه فكتب إليه معاوية : أقتل كل من كان على دين علي ورأيه فقتلهم ومثل بهم .